تبصرة حول منزلة الصلاة
أيها القارئ العزيز، اعلم أن السعي إلى الله بدون الصلاة هو كالتيه بلا هدى. كل أعمالك في الجهاد، والدعوة، والسياسات لا تكون ذات قيمة ما لم تكن الصلاة ركيزتها الأساسية. فهي أساس الدين وركنه الأعظم، قال الله تعالى: {كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} (النور: 39).
لن تستطيع تذوق حلاوة الإيمان والإسلام حتى تقترب من الصلاة وتكتشف أسرارها المتصلة بالغيب، فالصلاة هي أول ما يقوم به المحب عندما يتذوق جمال الله من خلال القرآن. لذلك، كان أول ما أمر الله به بعد التلاوة هو الصلاة، في إشارة إلى الارتباط الوثيق بين الفعلين.
بعد الإيمان بالله وتوحيده، كانت الصلاة أول عبادة تعلمها رسول الله ﷺ وأول ما قام به من تطبيقات القرآن. قال ﷺ: «أتاني جبريل في أول ما أوحي إلي فعلمني الوضوء والصلاة...» (رواه أحمد والدارقطني والحاكم وصححه الألباني). هذا يدل على أهمية البدايات في معرفة البلاغ، حيث كانت الصلاة ملازمة لرسول الله ﷺ ولا يزداد معها إلا ترسخًا في الدين.
تأمل كيف أفرد الله عز وجل إقامة الصلاة بالذكر بعد التمسك بالكتاب، مما يدل على أن الصلاة أساس الدين وعموده. قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} (الأعراف: 170).
الصلاة عماد الدين
يجمع العلماء على أن العبادة هي الوظيفة الوحيدة للإنسان في الكون، وكل حظوظه الدنيوية تأتي تبعًا لأصل العبادة. قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56). خلاصة دين الإسلام هي إخلاص العبادة لله، والصلاة هي مفتاح كل شعيرة وروحها وغايتها.
الصلاة هي خير الأعمال بعد الشهادتين، إذ أنها تجمع جميع أعمال الإسلام تحت مظلتها. لذلك اعتبرها الرسول ﷺ خير أعمال المسلم، وقال: «سددوا وقاربوا ... واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة» (رواه أحمد وابن ماجه وابن حبان والحاكم).
الصلاة فلاح المؤمنين
الصلاة هي العلامة الفارقة للمسلم، فهي النور الذي يمشي به. قال الله تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ ... تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} (الفتح: 29). ومن خلالها يكتسب المؤمنون صفتي الشدة على الكفار والرحمة بينهم.
الصلاة تغسل الذنوب
شبه النبي ﷺ الصلاة في حياة المسلم بالنهر الجاري الذي يغسل الذنوب. قال: «أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات...» (رواه مسلم). إن الإسلام في جوهره هو الصلاة، وبها تُقوَّم أعمال المسلم يوم القيامة. قال ﷺ: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله الصلاة...» (رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه).
الصلاة والكفر بالله
لا يبقى للمسلم من إيمانه شيء إذا ترك الصلاة إلا ما لا يخلده في النار. قال ﷺ: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» (رواه مسلم).
الصلاة فلاح الدنيا والآخرة
يصف الله تعالى في القرآن الكريم فلاح المؤمنين، مبتدئًا بالصلاة. قال عز وجل في سورة المؤمنون: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ...} (المؤمنون: 1-11). فالصلاة هي الخير كله، وهي فاتحة كل خير وخاتمته ووسيلته.
الصلاة ترك للفواحش
الصلاة ليست فقط فعلًا، بل هي ترك للمنكرات والكبائر. قال الله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ} (العنكبوت: 45). إن الصلاة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وكأنها شخص معنوي مكلف بالبلاغ والإصلاح.
إعادة تدبر الآية {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ} يحمل في طياته معنى عميقًا يشير إلى دور الصلاة في تهذيب النفس وتطهير القلب. الصلاة ليست مجرد حركات تؤدى، بل هي رحلة روحية تقود الإنسان بعيدًا عن خطاياه إلى الله، إنها انتقال من عادات سيئة إلى عبادة مخلصة. في الصلاة، يتغير طعم المنكر في قلبك، فلا تستحليه، وتتحول شهوات الحرام من رغبة ملحة إلى شيء يمقته القلب، فتصبح خلقًا جديدًا.
إذا كنت تشعر بأنك غلبتك الفاحشة أو أنك مدمن على معصية معينة، فدواؤك هو الصلاة. قد تقول إنك تصلي بالفعل، لكن النص يلفت النظر إلى أن الصلاة الحقيقية هي تلك التي تؤدي إلى تغيير حقيقي في حياتك، حيث أن الصلاة الحقيقية تترك أثرًا قويًا وتنهى عن الفحشاء والمنكر.
الصلاة هي سفر من الأرض إلى السماء، فهي ترتقي بالإنسان إلى منازل السلام، ولا يمكن أن تجتمع هذه المنازل مع الحرام. ولذلك، فالصلاة واجبة حتى في أشد الظروف، كالحرب. الله جل جلاله أمرنا بالمحافظة على الصلوات حتى في ظروف الحرب، لتظل الصلاة رابطًا بين المؤمن وربه، حتى في أصعب الأوقات.
النبي صلى الله عليه وسلم أوضح أن الرباط الحقيقي يكمن في إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، مشيرًا إلى أن هذه الأمور هي التي تمحو الخطايا وترفع الدرجات.
وفي النهاية، تدبر النصوص القرآنية يجعل الإنسان يدرك مكانة الصلاة في الإسلام وكيف أنها تشكل محور حياة المؤمن، فهي العبادة التي تدخلك في انسجام تام مع الكون، حيث يسير كل شيء وفق نظام دقيق ومنضبط، وأنت كمسلم مدعو لتكون جزءًا من هذا النظام، متساميًا بالصلاة عن كل ما يعكر صفو روحك.
فاختر لنفسك طريق النجاة، وكن من العاقلين الذين يبصرون هذه الحقائق ويتبعونها.
``` <
تعليقات
إرسال تعليق