من آخــر مقــالات الراحـــل الدكتــور
فريـــدالأنصـــاري رحمه الله
من أبرز مظاهر الجمال في الإسلام تكمن في عقيدة اليوم الآخر. ولكن لكي نتمكن من تذوق هذا الجمال، علينا أولاً فهم مفهوم "العمر". هذا الامتداد الزمني المحدود الذي يبدأ من لحظة الولادة وينتهي بالموت. العمر هو هبة إلهية عظيمة، وهو تعبير عن الحياة، إلا أن حقيقته تظل نسبية مثل كل حقائق الدنيا. فإذا تأملنا بعمق، سنجد أنه لا يوجد في العمر ما يمكن اعتباره طويلاً أو قصيرًا؛ إذ أن كل ما يبدأ لابد أن ينتهي، وبالتالي فهو بطبيعته قصير.
منطق الأشياء يظهر لنا أن جميع الناس يموتون بعد فترة زمنية معينة منذ ولادتهم، قد تكون سنوات معدودة، لكنها ليست مئات السنين أو آلافها. إذا قارنا أعمار الكائنات المختلفة، سنكتشف نسبية الطول والقصر في الأعمار. بعض الكائنات تعيش لآلاف السنين، مثل الأشجار والجبال وحتى الشياطين، بينما توجد كائنات أخرى لا تعمر سوى بضعة أيام أو ساعات، مثل النحل والفراش. ومن هذه المقارنات، ندرك أن الطول في العمر أمر نسبي، وأن الإنسان الذي يعيش مئة عام يشعر بأنه عاش طويلًا، في حين أن هناك كائنات قد ترى في هذا العمر قصرًا شديدًا
وعلى النقيض، إذا نظرنا نحن، كبشر، إلى أعمار الكائنات التي تعيش أيامًا معدودة، سنشفق عليها من قصر عمرها. وللتوضيح، بعض الحشرات تكمل دورة حياتها الكاملة في أقل من يوم واحد، مثل بعض أنواع الفراشات التي تتحول من بيضة إلى فراشة ثم تموت في أقل من 24 ساعة. هذه الكائنات تعيش حياتها الكاملة في وقت قصير جدًا، ومع ذلك، فإن إحساسها بالزمن مختلف عن إحساسنا.
الحقيقة هي أن الزمان نسبي، وكل عمر، بغض النظر عن طوله، هو قصير عندما ننظر إليه من زاوية الزمن الكوني. الزمان الكوني له أشكال عديدة؛ فالزمان الأمْرِي الذي ذكره الله في القرآن يتحدث عن يوم مقداره ألف سنة مما نعده نحن، والزمان الملائكي يتحدث عن يوم مقداره خمسون ألف سنة
العمر البشري كذلك يمكن النظر إليه من حيث طوله وعرضه. الطول يشير إلى مدة الحياة، لكن العرض يشير إلى ما يحققه الإنسان خلال تلك المدة. قد يعيش الإنسان عمرًا طويلاً لكنه ضيق من حيث الإنجازات، وقد يكون عمره قصيرًا لكنه غني بالأعمال الصالحة والمنجزات. ومن هنا تأتي قيمة العمر ليست في طوله، بل في عرضه واستغلال كل لحظة فيه.
الزمن في الإسلام ليس مجرد فترة حياة تنتهي بالموت، بل هو معبر إلى حياة أخرى. الإيمان بالآخرة يملأ حياة المسلم بالأمل والعمل الصالح، بينما يؤدي الإنكار إلى اليأس والضياع. هذا الفهم يمنح المؤمن بُعدًا آخر لحياته، حيث يرى في الموت بداية لحياة أخرى، وليس نهاية لوجوده. وهذا الفهم يفتح أمامه آفاقًا أوسع للتعامل مع حياته وعمره
باختصار، العمر ليس مجرد مدة زمنية، بل هو مزيج من الزمن والأعمال، وما يحدد قيمة العمر هو مدى استغلال الإنسان لوقته في الخير والعمل الصالح، وهو ما يجعل العمر ذا بركة، يمتد أثره حتى بعد الموت.
.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق