بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كانت بلقيس، ملكة سبأ، ذات مكانة عظيمة وسلطان واسع، تلقت كتاباً من نبي الله سليمان -عليه السلام- كان يبدأ بالبسملة: "بسم الله الرحمن الرحيم * ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين". بعد تلقيها لهذا الكتاب، جمعت مستشاريها وتشاوروا في الأمر، فقررت أن ترسل هدية ثمينة إلى سليمان -عليه السلام- لتختبر مدى صدق دعوته. وعندما وصل الرسل إلى سليمان بالهدية، رد قائلاً: "أتمدوننِ بمال فما آتانيَ الله خير مما آتاكم" (النمل 36).
عظمة مُلك بلقيس وسبأ
لقد ذكر الله -تعالى- نعيم مملكة سبأ في قوله: "لقد كان لسبأ في مسكنهم آيةٌ جنّتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدةٌ طيبة ورب غفور" (سبأ 15). كانت مملكتهم غنية بالزروع والثمار، محاطة بالبساتين من كل جانب، وكان لبلقيس عرش عظيم، وصفه الهدهد قائلاً: "إني وجدت امرأةً تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم" (النمل 23).
قال ابن كثير في تفسيره: "أوتيت من كل شيء" أي من متاع الدنيا ووسائل الترف التي تجعل الملك متكاملاً. أما "عرشها العظيم" فقد كان سريرًا كبيرًا مرصعًا بالجواهر، مما يعكس ثراء مملكتها.
مُلك سليمان -عليه السلام-
أما عن سليمان -عليه السلام- فقد وهبه الله مُلكًا لم يُعطَ لأحدٍ من قبله ولا من بعده. قال الله تعالى في وصف نعمه عليه: "ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القِطر.. ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه" (سبأ 12-13). كما سخر له الجن ليعملوا له ما يشاء من محاريب وتماثيل وأوانٍ ضخمة.
وقد دعا سليمان -عليه السلام- ربه قائلاً: "رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب" (ص 35)، فاستجاب الله دعاءه وسخر له الريح والشياطين ليكونوا في خدمته.
الشكر والتوحيد
رغم كل هذه النعم والعطايا، كان سليمان -عليه السلام- شاكراً لله. فقد كان يدرك أن هذه النعم ليست مجرد مكافأة دنيوية، بل اختبار من الله ليعلم من يشكر ومن يكفر. وقد ورد ذلك بوضوح عندما رأى عرش بلقيس بعد أن نُقل إليه من اليمن بقدرة الله فقال: "قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم" (النمل 40).
وهذا الشكر ليس فقط بالقول، بل بالعمل. قال الله تعالى مخاطبًا آل داود: "اعملوا آل داود شكراً وقليلٌ من عبادي الشكور" (سبأ 13). والعمل الصالح هو دليل الشكر الحقيقي.
خسران أهل سبأ
على الجانب الآخر، لم يشكر أهل سبأ نعم الله عليهم رغم كل ما أكرمهم به. قال الله تعالى: "فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل * ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور" (سبأ 16-17). هذه الآية تدل على أن كفر النعمة وعدم الشكر يؤدي إلى العقاب، وأن الله لا يعاقب إلا الجاحدين.
الشكر سبيل النجاة
إن الله -تعالى- قد خلق الإنسان ليبتليه بالنعم والمصائب، ليرى إن كان سيشكر أم يكفر. قال الله تعالى: "إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً * إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً" (الإنسان 2-3). فمن أراد النجاة في الدنيا والآخرة، فعليه أن يكون من الشاكرين.

تعليقات
إرسال تعليق