القائمة الرئيسية

الصفحات

الخيرة فيما اختاره الله

الخيرة فيما اختاره الله

تعد مقولة "الخيرة فيما اختاره الله" من الأقوال المأثورة التي تعبر عن عمق الإيمان بقدرة الله وحكمته في تسيير أمور الحياة. ورغم أنها ليست آية قرآنية ولا حديثًا نبويًا شريفًا، فإنها تحمل معنى مشابها لما جاء في الحديث الشريف عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم: "عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له" (رواه مسلم). فالإيمان بأن الله يختار الأفضل للإنسان يعكس ثقة المسلم في حكمة الله وتدبيره.

مشيناها خطى كتبت علينا
ومن كتبت عليه خطى مشاها
ومن كانت منيته بأرض
فليس يموت في أرض سواها

الراضي بقضاء الله وقدره مؤمن تمامًا بأنه لا تبديل لكلمات الله، ولا أحد يستطيع رد حكمه. إن إرادة الله هي النافذة، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. ومن هنا، يُستدل على أهمية التسليم الكامل لإرادة الله وقضائه، واليقين بأن ما يختاره الله للإنسان هو الأفضل له، حتى وإن لم تظهر الحكمة من ذلك في اللحظة الراهنة.

قد يجهل الإنسان ما يخبئه القدر له، وما يحمله المستقبل، ولكنه يوقن بأن الله أرحم به من نفسه، وأن الخير كل الخير فيما يختاره الله له. ويأتي في القرآن الكريم تعزيز لهذا المفهوم في قوله تعالى: "ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور" (الحديد: 22-23). وكذلك في قوله تعالى: "وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون" (البقرة: 216). فهذه الآيات تبث الطمأنينة في قلوب المؤمنين، وتعلمهم أن كل ما يحدث لهم هو بتقدير الله، وأنه لا يحدث شيء إلا بحكمة وغاية.

عندما يتعرض الإنسان لموقف يتطلب اتخاذ قرار بين أمرين، عليه أن يلجأ إلى الاستخارة، وهو ما يعلمنا إياه النبي صلى الله عليه وسلم. فالاستخارة تعني طلب الهداية من الله نحو الخيار الأفضل، ومن ثم الاعتماد على الله والوثوق بأن ما سيختاره الله له هو الأفضل. فالإنسان لا يعلم الغيب، ولا يدرك المصالح الحقيقية الكامنة في اختياراته، لكن الله تعالى يعلم كل شيء ويختار لعباده ما هو أصلح لهم.

"يا ابن آدم، مالك تأسى على مفقود لا يرده عليك الفوت، أو تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت." - الإمام جعفر الصادق

فلنحمد الله في السراء والضراء، ولنطمئن بأن الله يدبر لنا الأمور بما يعود علينا بالنفع والخير. يقول ابن القيم: "لو كشف الله الغطاء لعبده، وأظهر له كيف يدبر الله أموره، وكيف أن الله أكثر حرصًا على مصلحة العبد من نفسه، وأنه أرحم به من أمه، لذاب قلب العبد محبة لله." فالتسليم لله والرضا بقضائه هو السبيل إلى راحة القلب وطمأنينة النفس، وهو دليل على الإيمان العميق والوثوق في حكمة الله ورحمته.

تعليقات