القائمة الرئيسية

الصفحات

العوض الرباني
العوض الرباني

العوض الرباني: حكمة ورحمة من الله

الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

أما بعد، يقول الله تعالى في كتابه الكريم:

"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ" [النساء: 1]

أيها المسلمون، من سنة الله في هذه الدنيا أن السعادة لا تكتمل، فالأفراح والملذات لا تخلو من نقص أو مفارقة، لكي لا تستقر القلوب في هذه الحياة الدنيا، ولا يرضى العباد بها، فيخسرون الآخرة. ولقد جعل الله من رحمته بالعباد أن يكون لكل ما يفقدوه أو يتركوه بديل رباني، يُجبر كسر قلوبهم ويعوضهم عما فقدوه، إذا امتثلوا بأدب العوض الرباني. فالله سبحانه هو الذي قدر المصائب والابتلاءات، ولكنه أيضاً هو الذي يمنح العوض والسلوان.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لن تدع شيئًا لله عز وجل إلا بدّلك الله به ما هو خير لك منه" (رواه أحمد).

تأتي الدنيا بأفراحها وأتراحها على الإنسان، حيث نواجه أحياناً خسائر مادية أو معنوية، سواء في الأشخاص أو الأشياء أو الفرص. ويظن البعض أن تلك الخسائر نهاية المطاف، ولكن المؤمن يدرك تماماً أن الله، بحكمته ولطفه، يعوضنا دائماً عن تلك الخسائر. فالله -سبحانه وتعالى- إذا أخذ منا شيئاً فقد أعد لنا ما هو أفضل في الدنيا أو في الآخرة.

ففهم العوض الرباني يولد لدى المسلم يقينًا بالخلف، ويمنحه قوة الصبر، والرضا بما قضاه الله وقدره. فالعوض قد يكون دنيويًا محسوسًا أو غير محسوس، وقد يكون أخرويًا وهو أعظم العوض. فالله سبحانه أخفى الخير الكثير في الأمور التي قد تكرهها النفس، كما قال:

"فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا" [النساء: 19]

في كثير من الأحيان، يختبر الله صبر عباده في مواجهة المصائب، ومن خلال هذا الاختبار يمنحهم الله عوضًا من الراحة والسكينة، حيث يجد المؤمن في قلبه الطمأنينة واليقين بأن ما من شيء يفقده إلا وله عند الله بديل. إن الدنيا ليست دار الجزاء الكامل، ولذلك فإن بعض العوض الذي ينتظره المؤمن قد يكون في الآخرة، حيث الجنة وما فيها من نعيم لا يوصف. ولهذا السبب ينبغي على المسلم أن يكون صبورًا، ويعلم أن الله لن يخذله.

إن الرضا والسرور بما قسم الله، والقناعة كنوز من كنوز العوض الرباني. فقد كان الفضيل بن عياض يقول: "من ترك شيئًا لله، عوضه الله خيرًا منه". وقد قال ابن القيم في تعليقه على هذا القول: "إن أعظم ما يعوض الله به عبده هو الأنس به، ومحبة الله، وطمأنينة القلب بالله، حيث يشعر الإنسان بنشاط وفرح ورضا لا يُقدر بثمن".

إن من أعظم ما يحصل عليه المؤمن من عوض في الدنيا هو أن يكون قلبه ممتلئًا بالإيمان واليقين، وألا يخاف إلا الله، وألا يرجو أحدًا سوى الله. هذه الحالة القلبية هي التي تجعل المؤمن ثابتًا في مواجهة الصعوبات، ومطمئنًا رغم كل الابتلاءات. لقد اختبر العديد من الصالحين هذا الشعور، حيث قال بعضهم: "لقد بورك لي في حاجة أكثرت فيها من قرع باب ربي، وكان من لذة مناجاته ما أنساني حاجتي".

في الختام، يجب على كل مسلم أن يدرك أن الدنيا دار ابتلاء وامتحان، وأن الله سبحانه هو الذي يقدر الأحوال ويقسم الأرزاق، وأن العوض الإلهي قد يأتي في أشكال مختلفة، سواء في الدنيا أو في الآخرة. فما علينا إلا أن نصبر ونرضى بما قسمه الله لنا، ونحسن الظن بالله، فإن من حسن الظن بالله الثقة في عوضه وكرمه.

© 2024 العوض الرباني | جميع الحقوق محفوظة

تعليقات