الدنيا دار ابتلاء: اختبار الحياة من منظور إيماني
لمزيد من الكتب الدينية
مقدمة: الحياة بين الرخاء والابتلاء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الدنيا هي دار اختبار وابتلاء، وكل ما فيها هو بمثابة فرصة لتقييم الإنسان في علاقته مع الله سبحانه وتعالى. الحياة ليست مكانًا للراحة المستمرة، بل هي محكٌّ لاختبار الإيمان ودرجة التحمل والصبر على ما يصيب الإنسان من مصائب ومحن. فكما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "لن تُمكَّن قبل أن تبتلى".
الابتلاء هو جزء أساسي من الحياة
إنَّ الحياة الدنيا بمثابة دار امتحان كما بيّن القرآن الكريم في آياته، حيث قال سبحانه وتعالى:
﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾ [سورة المؤمنون]
وهو ما يوضحه الله في قوله تعالى:
﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾ [سورة الملك]
كل شيء في هذه الدنيا يتم بمشيئة الله، والإنسان يواجه ما هو قدره، سواء أكان هذا أمرًا يسعده أو يحمل في طياته ألمًا وتحديات. لذا يجب على المؤمن أن يتفهم أن الدنيا ليست دار استقرار دائم، بل هي دار اختبار وبلاء.
الابتلاء في الرخاء والشدة
يقول الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم:
﴿ فَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾ [سورة الفجر]
هنا يظهر أن الابتلاء ليس مرتبطًا فقط بالشدة أو الفقر، بل يمكن أن يكون الابتلاء أيضًا في النعمة والرخاء. عندما يتمتع الإنسان بالقوة والمال والراحة، قد يظن أنه مستغنٍ عن الله، وهذا ما قد يؤدي به إلى الطغيان والغرور.
الابتلاء في حياتنا اليومية
يبتلى المؤمن في كل مناحي حياته؛ في صحته، في عمله، في علاقاته، وفي كل ما يملك. من المهم أن نعلم أن ما يصيبنا ليس بمحض الصدفة، بل هو اختبار إلهي يهدف إلى تقييم صبرنا وإيماننا.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
((لِيَسْتَرْجِعْ أَحَدُكُمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي شِسْعِ نَعْلِهِ فَإِنَّهَا مِنَ الْمَصَائِبِ)) [رواه ابن السني عن أبي هريرة رضي الله عنه]
عندما يصاب الإنسان بمصيبة، عليه أن يسأل نفسه، هل هناك خلل في تصرفاته؟ هل هو في تقصير أو معصية تستحق هذا البلاء؟ وعليه أن يتذكر أنه يجب أن يتوجه إلى الله في كل حال.
الصبر والإيمان في مواجهة الابتلاء
الإيمان بالله هو الذي يهون من مصائب الدنيا ويجعل المؤمن يتقبلها بروح صابرة راضية. في سورة البقرة نجد قوله تعالى:
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُو۟لَٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّنْ رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [سورة البقرة]
هؤلاء الصابرون هم الذين يتقبلون بلاء الله بصدر رحب، ويتوكلون عليه، ويدركون أن كل ما يصيبهم هو مقدّر ومكتوب في اللوح المحفوظ.
المصائب سبب في التقرب إلى الله
تذكر دائمًا أن المصائب هي وسيلة للتقرب إلى الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
((عجب ربنا من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل)) [رواه أحمد والبخاري وأبو داود عن أبي هريرة]
إن المصائب لا تأتي إلا لتهذبنا وتعيدنا إلى طريق الله، ومن خلال الصبر على البلاء يمكننا أن نكتسب رضا الله وجنته.
الخاتمة
في النهاية، يجب أن نتذكر أن كل ما يحدث في حياتنا من مصائب ونعم هو ابتلاء من الله، وعلينا أن نواجهه بالصبر والتوكل على الله. لا نعرف لماذا يبتلينا الله، لكننا نعلم أنه رحيم حكيم، وأنه في النهاية سيختبرنا ليجعلنا أفضل وأقرب إليه.

تعليقات
إرسال تعليق