الدين النصيحة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
أنزل الكتاب هدىً ورحمةً للعالمين، وجعلنا من أمة محمدٍ، خاتم النبيين، الذي أرسله الله بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الغمة، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فهي الزاد في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾ [البقرة: 197].
واعلموا أن النصيحةَ مظهرٌ من مظاهر تقوى الله وطاعته، وهي عنوان حب الخير للغير، ورغبة في إصلاح أحوال المسلمين بالحكمة والموعظة الحسنة.
روي أن الحسن والحسين رضي الله عنهما، مرّا برجلٍ كبير لا يحسن الوضوء، فأرادا تعليمه دون إحراجه، فتظاهروا بالاختلاف في الوضوء وطلبا منه أن يحكم بينهما. قام كل واحد منهما بالوضوء أمام الرجل على أكمل وجه، فما كان من الرجل إلا أن أدرك خطأه وقال: "بل أنا والله الذي لا يحسن الوضوء، وقد علمتماني أحسن تعليم".
النصيحة في اللغة هي تخليص الشيء من الشوائب، وفي الشرع تُعتبر كلمة جامعة تعني إرادة الخير للمنصوح، والسعي لإصلاح حاله بالحكمة والموعظة الحسنة. وإذا أُهملت النصيحة، ضاع الدين، إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة". فالنصيحة تُقدم بإخلاص ومحبة للآخرين، وهدفها تصحيح الأخطاء وإرشاد الناس إلى الخير، مما يعكس نقاء السريرة وصدق النية.
إن النصيحة ركن أساسي في استقامة الأمة وثباتها، وهي دليل على نضج الفكر وصفاء القلب، إذ لا يكتمل إيمان المسلم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ" (رواه البخاري ومسلم). فالنصح يدل على صفاء السريرة وسلامة القلب، إذ قال الفضيل رحمه الله: "ما أدرك عندنا من أدرك بكثرة الصلاة والصيام، وإنما أدرك بسخاء النفس وسلامة الصدر والنصح للأمة".
والنصيحة من خصائص هذا الدين العظيم، فهي من دعائم استقامة الأمة وعلامة على نضج الفكر للمؤدي والمتقبل لها، وهو بذلك أقرب إلى محبة الله ورضاه. وقد قال ابن المبارك رحمه الله عندما سُئل عن أفضل الأعمال: "النصح لله". وأيضًا قال أبو الدرداء رضي الله عنه: "إن أحب عباد الله إلى الله الذين يُحببون الله إلى عباده، ويُحببون عباد الله إلى الله، ويسعون في الأرض بالنصيحة".
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث على النصيحة ويعتبرها عملاً من أعظم الأعمال، حيث قال: "الدِّينُ النَّصِيحَةُ" (رواه مسلم). وكان يقول الصحابة والسلف من بعدهم: المؤمنون نصحة، والمنافقون غششة. وكانوا يرون في النصيحة عملاً ضرورياً لأجل نشر الخير بين الناس وتصحيح أخطائهم.
أيها الأحبة، النصيحة مسؤولية جماعية وواجب ديني، وهي من حقوق المسلم على المسلم. قال جرير بن عبد الله رضي الله عنه: "بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام، فاشترط عليّ النصح لكل مسلم".
وعلى هذا، ينبغي على كل مسلم أن يسعى في نصح إخوانه بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يتجنب نصحهم في الملأ إذا كان ذلك يسبب لهم الحرج أو الأذى، فقد قال الإمام الشافعي رحمه الله: "تعمدني بنصحك في انفرادٍ، وجنبني النصيحة في الجماعة".
وعلى الناصح أن يتحلى بالحكمة والرفق، وألا يقصد التشهير أو التوبيخ، بل يسعى إلى تقويم الخطأ بطريقة لا تؤدي إلى جرح مشاعر المنصوح. وينبغي عليه أن يختار الكلمات الحسنة والأسلوب اللطيف في نصيحته، كما قال الله تعالى: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ [طه: 44].
فمن أراد أن تقبل نصيحته، فليكن صادقاً فيها، وليختار الوقت المناسب والمكان المناسب، وليراعي حال المنصوح وقدرته على الاستجابة. ولتكن نصيحته موجهة إلى الله، ابتغاء مرضاته، لا رياءً ولا سمعة. فالناصح الأمين هو الذي يحب للناس الخير، ويرجو لهم الهداية، وينصحهم بما يرضي الله.
فيا أيها المؤمنون، لنكن من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ولنحرص على تقديم النصيحة بصدق وإخلاص، ولنقبلها عندما تُقدَّم لنا، فقد قال تعالى: ﴿ فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾ [الزمر: 17-18]. نسأل الله أن يجعلنا من الناصحين والمستجيبين للنصح، وأن يهدينا ويصلح أحوالنا إنه ولي ذلك والقادر عليه.
حقوق النص محفوظة © 2024

تعليقات
إرسال تعليق