القلب السليم: ضرورة إصلاحه وسماته
مفهوم القلب السليم
القلب السليم هو ذلك القلب الذي يبتعد عن أمراض الشهوات والشبهات، فلا يشوبه شرك ينقض التوحيد، ولا بدعة تخالف السنة، ولا شهوة تخالف الأمر، ولا غفلة تناقض الذكر، ولا هوى يعارض التجرد والإخلاص. وهو قلب يحيى بالإيمان واليقين، على عكس قلب الكافر الذي يموت بالكفر والجحود. كما أن سلامة القلب تتعلق بقدر ما يحويه من إيمان وعمل صالح.
علامات القلب السليم
يتميز القلب السليم بعدة علامات تدل على نقائه واستقامته. أولى هذه العلامات هي الطمأنينة عند ذكر الله -تعالى-، سواء كان ذلك في تلاوة القرآن أو سماعه، أو في سائر الأذكار، وكذلك في قبول أحكام الشرع وحبها والفرح بها. يقول الله -تعالى-:
"الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ" (الرعد: 28).
هذه الطمأنينة ليست مجرد سكينة داخلية، بل هي استقرار لليقين في القلب.
إلى جانب ذلك، يجمع القلب السليم بين الخوف والرجاء، فيطمئن عند ذكر الله ووعده ورحمته، لكنه في الوقت نفسه يخشى وعيده وعذابه. الله -تعالى- يقول:
"إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ" (الأنفال: 2)،
ويقول أيضًا:
"وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ" (الحج: 34-35).
تأثر القلب السليم بالتذكير والمواعظ هو علامة أخرى على سلامته. فعندما يسمع المؤمن المواعظ، يتأثر بها قلبه وتذرف عيناه، كما كان حال الصحابة -رضي الله عنهم- عندما وعظهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
حب الإيمان والطاعة
ومن علامات القلب السليم أيضًا محبته للإيمان والطاعة، وموالاته للمؤمنين، ونفوره من الكفر والفسوق والعصيان. يقول الله -تعالى-:
"وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ" (الحجرات: 7).
هذه المحبة تأتي نتيجة للتزكية والتقوى التي يسعى المؤمن لتحقيقها.
الخشية والإنابة
الخوف من الله -تعالى- والرجوع إليه في كل الأحوال هما أيضًا من علامات القلب السليم. يقول الله -تعالى-:
"مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ" (ق: 33).
الإنابة إلى الله -تعالى- تعني الرجوع إليه في كل الأمور والاعتراف بقدرته المطلقة، كما جاء في قوله -سبحانه-:
"وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ" (الروم: 33).
التعظيم والخشوع
القلب السليم يلين لذكر الله -تعالى- ويخشع عند سماع آياته. يقول الله -تعالى-:
"ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ" (الزمر: 23).
هذا اللين هو نتيجة لتأثر القلب بعظمة الله وكبريائه، وهو ما يقود إلى الخشوع والتذلل أمامه.
الصبر والرضا
القلب السليم يتسم أيضًا بالصبر والرضا عند وقوع المصائب. الله -تعالى- يقول:
"مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ" (التغابن: 11).
الإيمان بالقضاء والقدر يساعد المؤمن على تحمل الشدائد والصبر عليها، مما يجلب له السكينة والهدوء الداخلي.
محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته
محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- وتوقيره، وكذلك محبة أزواجه وصحابته -رضي الله عنهم- هي من علامات القلب السليم. يقول الله -تعالى-:
"إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى" (الحجرات: 3).
الاستغفار والعودة إلى الله
القلب السليم يفيق بسرعة من الغفلة ويعود إلى الله -تعالى-، مستغفرًا ومتبرئًا من الذنوب. في الحديث الشريف، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
"إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ".
الثبات في الفتن
وأخيرًا، يتسم القلب السليم بالثبات والسكينة في أوقات الفتن والمحن. هذا الثبات يأتي نتيجة لسلامته من أمراض الشهوات والشبه ات، وقوة إيمانه واستسلامه لله -تعالى-.
خاتمة
في النهاية، يجب على كل مسلم أن يسعى بكل جهده لتحقيق سلامة قلبه، متبعًا كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-. فإن القلب هو محل السعادة والشقاء في الدنيا، والفوز بالجنة أو النار في الآخرة.

تعليقات
إرسال تعليق