القائمة الرئيسية

الصفحات

الإخلاص في العمل

الإخلاص في العمل

الإخلاص في العمل هو الأساس الذي يُبنى عليه قبول الأعمال عند الله تعالى، فالعمل القليل المصحوب بالإخلاص والصدق أفضل عند الله من الأعمال الكثيرة التي يداخلها الرياء. فالقلب لا يصلح إلا إذا كان الإخلاص فيه لله تعالى وحده، ومن أجل ذلك جاء في الحديث القدسي قول الله تعالى:

"أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ"

هذا يوضح أن الله تعالى لا يقبل إلا الأعمال الخالصة له، ولا يحتاج إلى شرك أحد في العمل.

ومن الأمثلة على أهمية الإخلاص في العمل ما جاء في الحديث الشريف عن السبعة الذين يُظِلُّهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، حيث ذكر منهم:

"رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ".

فهذان الرجلان مثالا على الإخلاص في العمل؛ إذ أن المتصدق يحرص على إخفاء صدقته حتى لا يعرف أحد، والذاكر لله يخشع في خلوتِهِ حيث لا يراه أحد.

وقد أثنى الله تعالى في القرآن الكريم على المصلين الذين يتركون فراشهم في جوف الليل ليتعبدوا له، قائلاً:

﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

وللسلف الصالح نصائح وتجارب عديدة في طاعة السر وإخفاء الأعمال الصالحة عن أعين الناس، مثل ما قاله الزبير بن العوام:

"أَيُّكُمُ اسْتَطَاعَ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَبِيئَةٌ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ فَلْيَفْعَلْ".

وحث ابن مسعود -رضي الله عنه- على إخفاء الصيام بقوله:

"إِذَا أَصْبَحْتُمْ صِيَامًا فَأَصْبِحُوا مُتَدَهِّنِينَ".

كما أكد أبو حازم على ضرورة إخفاء الحسنات كما نُخفي السيئات، بينما شدد الحسن البصري على أهمية الأعمال السرية بقوله:

"إِنَّ لَكَ قَوْلًا وَعَمَلًا، وَسِرًّا وَعَلَانِيَةً، وَعَمَلُكَ أَوْلَى بِكَ مِنْ قَوْلِكَ، وَسِرُّكَ أَوْلَى بِكَ مِنْ عَلَانِيَتِكَ".

وهكذا كان السلف يحرصون على إخفاء عباداتهم وأعمالهم الصالحة، فكانوا يُخفون خشوعهم وبكاءهم حتى عن أقرب الناس إليهم. يروي الأعمش عن حذيفة -رضي الله عنه- أنه بكى في صلاته، وعندما التفت ووجد رجلاً خلفه، قال له:

"لَا تُعْلِمَنَّ بِهَذَا أَحَدًا".

وكان محمد بن واسع يقول:

"لَقَدْ أَدْرَكْتُ رِجَالًا كَانَ الرَّجُلُ يَكُونُ رَأْسُهُ مَعَ رَأْسِ امْرَأَتِهِ عَلَى وِسَادَةٍ وَاحِدَةٍ، قَدْ بُلَّ مَا تَحْتَ خَدِّهِ مِنْ دُمُوعِهِ لَا تَشْعُرُ بِهِ امْرَأَتُهُ".

ومن هذه المواقف نرى كيف كانوا يتفانون في إخفاء أعمالهم الصالحة بحيث لا يعلم بها حتى أقرب الناس إليهم.

وكان السلف أيضاً يحرصون على إخفاء الصلاة؛ فعن أيوب السختياني أنه كان يقوم الليل ويخفي ذلك عن الناس، فإذا اقترب الفجر رفع صوته بالقراءة ليظنوا أنه قام لتوه، بينما في الحقيقة كان قد قضى الليل في الصلاة. أما عبد الرحمن بن أبي ليلى، فكان إذا دخل عليه أحد وهو يصلي، استلقى على فراشه ليوحي بأنه نائم.

ومن قصص السلف المذهلة في إخفاء الأعمال الصالحة، ما روي عن داود بن أبي هند، الذي صام أربعين سنة ولم يعلم به أهل بيته. كان يحمل طعامه من بيته كل صباح ويعطيه للفقراء في الطريق، وعندما يعود مساءً يفطر مع أهله وكأنه قد أكل طعامه خلال النهار. ومنهم علي بن الحسين، الذي كان يحمل جراب الخبز على ظهره ليلاً ويوزعه على الفقراء سراً، حتى أن أهل المدينة لم يعلموا من كان يتصدق عليهم إلا بعد وفاته، حينما رأوا آثاراً سوداء على ظهره من حمل الجراب.

تعليقات